هذا هو البدوي.. حادثة فاجأت أميراً فكتبها في مذكراته

31e2bdeb-3457-45f9-8e01-db667e606dc5_16x9_1200x676-3.jpg

للبدو، في المصنفات العربية والإسلامية، مكانة خاصة، فهم أهل فصاحة العربية الأولى، ويعتبرون قادمين من أرض نقاء، سواء من بادية أو صحراء، ومن صفاتهم الذكاء المتوقّد، وسرعة البديهة، فضلا عن صفاتهم الأخلاقية الأساسية المتمثلة بقيم الوفاء والشهامة والكرم والشجاعة، وأيضاً الجنوح إلى السلم، وكان الأخير سبباً رئيسا من أسباب قلة عدد قتلى القبائل العربية، بحسب مؤرخين.

وفيما تغنى الكثير، بصفات البدو، وعلى رأسهم أبو الطيب المتنبي الذي اعتبر البداوة صورة من صور النقاء والصراحة والجَمال الفطري، استمرت على ما يبدو تلك الصورة حتى العصور المتأخرة.

وكان البدو، على الرغم من عدد الحروب التي كانت تمخر العالم العربي والإسلامي، في القرن السادس للهجرة، بحسب كتب تاريخ محققة، يحافظون على مزاياهم التي اشتهروا بها، وعلى أساسها، تأسست أوطان المنطقة العربية، بلداً بلداً، بما يختَصر بمصطلح الحضارة العربية والإسلامية.

أمراء بوجه الزلزال

وكان القرن السادس للهجرة، يغلي بمجموعة واسعة من الحروب، أطرافها مسلمون متنوعون، والإفرنج، وجيش صلاح الدين الأيوبي، ومختلف القبائل العربية التي كان وجودها في المنطقة، عاملا جوهريا من عوامل الاستقرار السياسي الذي أفضى إلى ظاهرة حضارية متنوعة، لاحقاً، في العمارة والأدب والفن والعلم والطب والهندسة والفلسفة.

والقرن السادس الهجري، هو قرن أشهر أمراء الشام في ذلك الوقت، هم بنو منقذ، وينتهون بنسبهم، إلى يعرب بن قحطان، وتعتبر واحدة من أكبر العائلات الحاكمة في تاريخ العرب والإسلام، وتتوزع أملاكها وسلطتها، في وسط سوريا، ما بين حماة وسهل الغاب وحلب وحمص وأطراف اللاذقية، فيما يمثل قادتها بين ملوك المسلمين، ومنهم صلاح الدين الأيوبي، بصفتهم أعياناً وأمراء، إلى أن ضرب زلزالٌ عنيف، منطقة حماة وسط سوريا، فدمّر قلعة "شيزر" التي كانت المقر الرئيس لأمراء وآل بني منقذ، في سنة 552 للهجرة، 1157 للميلاد، ونجا الأمير المشهور، أسامة بن منقذ، من ذلك الزلزال، بسبب وجوده في دمشق، هو وابنه.

أنقذه الملك فأقرّ بفضله

أباد، على وجه التقريب، زلزال شيزر، معظم أفراد بني منقذ، ولم يبق منهم إلا أشهرهم حاليا، أميراً وشاعراً ومؤرخاً، أسامة، فعكف على التأليف والتصنيف، إثر المأساة التي لا توصف التي حلت بأقربائه، إلا أن القائد الإسلامي الشهير، صلاح الدين الأيوبي، لم يدع أسامة، وحده، أسير الألم والغم والعزلة، فدعاه إليه، وقرّبه منه، وشد من أزره، بل حافظ له على مكانته، كأمير، فأخذ يستشيره بأمور المُلك والدولة والحروب وسياسة البلاد، فتقدم في كتابه الشهير "الاعتبار" بشكر صريح مملوء بالعرفان والمودة والإقرار بالفضل، للأيوبي، لما قدمه له، من عطف ودعم، وفاء للرجل الذي أعاد إليه مجده وحسبه، وهو الوفاء الذي تحدث فيه أسامة، عن بدوي مذهل، أنقذ ابن أحد الأعيان من أَسر الإفرنج.

ذكاء البدوي ووفاؤه

وينتمي كتاب "الاعتبار" إلى أجناس التأريخ، وفيه مجموعة متنوعة من الأخبار والوقائع والأشياء، يعود إليها علماء التاريخ الوسيط، كونه يسلط الضوء على جانب من وقائع ومعارك الحروب الصليبية المتقطعة.

وفاء أسامة بن منقذ، دفعه لنقل واقعة جرت عن وفاء بدويٍّ، بتفاصيل نادرة، الأمر الذي يوثق استمرار صورة البدوي كما هي في التصنيف والشعر العربيين، خاصة وأن أسامة، كتب الاعتبار وهو في أواخر أيامه، وتجاوز التسعين من عمره، وتوفي بعده بشهور قليلة، في عام 1188 للميلاد، وبلغ من العمر 93 عاماً.

صاحب حادثة وفاء البدوي، هو ابن إحدى العائلات المرموقة في ذلك الوقت، على ما يذكر أسامة بن منقذ نقلاً من صديق له، حيث وقع ابن أحد أصحاب المناصب أسيراً بيد "الإفرنج" وحبسوه في جُب، طالبين فدية لإطلاق سراحه، بلغت ألفي دينار.

ويقول الأسير: "بقيتُ في الجُبّ سنة، لا يسأل عني أحد" ويكمل بأنه بعد مرور كل ذلك الوقت، نزل إليه رجلٌ بدويٌّ من العرب، كما قال وعرّفه، موضحاً أن هذا البدوي كان أسيراً بدوره، عند الإفرنج، إلا أنهم طلبوا فدية لإطلاق سراحه، مبلغا قدره خمسون ديناراً، فحسب، كونه من عامة الناس، فيما طلِب لإطلاق سراح الرجل ابن المسؤول، ألفا دينار.

ويقول الأسير ابن الحسب والنسب، إن العربي البدوي، طرح عليه فكرة معينة كي يساعده على إطلاق سراحه، إلا أنه، رفض عرض البدوي، على اعتبار أن ما طرحه، يضمن للبدوي أن يعود إلى أهله، فيما يمكن أن يخدعه، فيتركه أسيرا في الجُب.

فاجأه وخلَّصه فتعجّب من قلبه وعقله

وكان عرض البدوي، هو أن يضيف ابن الحسب والنسب، مبلغ فديته البالغ خمسين ديناراً، إلى مبلغ فديته وهو ألفا دينار، على أن يخرج البدوي، ويعمل لاحقاً، على إخراجه من محبسه، تبعا لهذا الاتفاق الذي يتطلب ثقة هائلة، لأن ابن الحسب والنسب، سيقول لآسريه وحابسيه، إنه سيتكفل بمبلغ حرية البدوي الذي قد لا يعود.

وتقول الحادثة، إن الاتفاق تمّ، وأبلغ البدوي بأن ابن الحسب والنسب، سيضاف إلى فديته، مبلغ فدية البدوي، في مقابل أن يقوم الأخير باختراع حل لإطلاق سراحه.

ومرّت الأيام بعد الأيام، ولم يظهر أثر للبدوي الذي أمّن الحرية لنفسه مقابل اتفاق. حتى قال ابن الحسب والنسب، بعدما توهّم بخذلان البدوي له: "يئستُ منه!".

ثم كانت المفاجأة، بعد أن وقع ابن الحسب والنسب، باليأس من وفاء البدوي بعهده، فيقول إنه وبعد مرور أشهر على الاتفاق، فجأة ظهر البدوي من ثقب أو نفق، إلى جانب الجب الذي حبس فيه، معلناً أن البدوي طيلة هذه المدة كان يحفر نفقا أو سرباً، كي يصل إلى الجب، خفية عن أعين جنود الإفرنج، وقال البدوي للرجل: "قُم! واللهِ، لي خمسة أشهر وأنا أحفر هذا السرب، حتى وصلتُ إليك".

ويكمل ابن الحسب والنسب عن البدوي: "خرجنا من ذلك السرب، وكسر قيدي، وأوصلني إلى بيتي".

وأضاف متعجباً من نباهة وذكاء ووفاء البدوي، قائلاً: "فما أدري ممّ أعجب؟ من حسن وفائه؟ أو من هدايته حتى طلع نقبه من جانب الجُب؟!".

المصدر الأصلي للمقال

Share this post

    " مَنقُول "

    مواضيع منقولة من الصَخف والجرائد ضائعة وسط الاخبار والأقسام العديدة في الصَحف, نَعيد نشرها ونبَرزها ونرتّبها لتحقق أكثر فائدة والحقوق لمالكيها, ولأي اعتراض نرحو مراسلتنا.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    scroll to top