لماذا قاوم الأميركيون الأقنعة الطبية بالقرن الماضي؟

0b7024dd-9356-4326-afd2-dfec60398ec0_16x9_1200x676-3.jpe

قبل نحو قرن، واجه العالم بداية من العام 1918 ظهور وانتشار جائحة الأنفلونزا الإسبانية التي تفشت بشكل سريع لتمتد نحو كامل أصقاع العالم متسببة في وفاة نحو 50 مليون شخص.

وفي الولايات المتحدة الأميركية، حصدت الأنفلونزا الإسبانية حياة ما لا يقل عن 600 ألف شخص حيث شهد شهر تشرين الأول/أكتوبر 1918 وحده وفاة حوالي 200 ألف أميركي بسبب هذه الجائحة ليصنف بذلك كأكثر شهر دموي بتاريخ البلاد.

وأملا في وقف تفشي المرض وتقليص عدد الإصابات، لجأت مختلف الولايات الأميركية لاعتماد إجراءات صارمة تراوحت بين إغلاق المدارس والجامعات والمسابح العمومية وقاعات السينما والمسارح والحدائق، كما فرضت قوانين لمنع البصق بالشوارع وطالبت المواطنين بحمل مناديل معهم وارتداء أقنعة طبية بالأماكن العمومية.

وعلى حسب مصادر تلك الفترة، برزت قوانين ارتداء الأقنعة الطبية أساسا بالولايات الغربية للبلاد ولقيت احتراما من قبل الجميع، خاصة بسان فرانسيسكو ودنفر وسياتل، حيث امتثل السكان لها واعتبر أغلبهم الانصياع للإجراءات التي أقرها المسؤولون واجبا وطنيا.

ورغم تجاوبهم مع القوانين، اعتبر شق كبير من المواطنين الأميركيين ارتداء الأقنعة الطبية أمرا سيئا. فعبروا عن سخطهم من هذا الإجراء وتحدثوا عن أقنعة غير مريحة عند وضعها على الوجه، كما اتجه آخرون لتصنيف ارتداء الأقنعة إجراء فاشلا مع تواصل ظهور حالات جديدة مؤكدين على تراجع الإنتاجية والاقتصاد بسببها.

وبسان فرانسيسكو، عمد البعض عقب نهاية الحرب العالمية الأولى لتأسيس جمعية مناهضة لصناعة وارتداء الأقنعة الطبية.

في الأثناء، لم تكن أقنعة N95s، المتاحة حاليا، موجودة حينها واضطر الأطباء وأغلب الناس بتلك الفترة لارتداء الأقنعة الطبية المصنوعة من قماش الشاش التي أثارت مدى فاعليتها خلافا بالأوساط العلمية حيث اشتكى بعض المسؤولين من تواجد العديد من الثقوب الصغيرة بها وتحدثوا عن إمكانية مرور الفيروس منها.

فضلا عن ذلك، كانت هذه الأقنعة بدون جدوى في حال ارتدائها بشكل خاطئ. ففي مدينة فينيكس بأريزونا عمد كثيرون لإحداث ثقب بهذه الأقنعة عند مستوى الفم لتدخين السجائر.

من جهة ثانية، وفّر المتطوعون بالصليب الأحمر العديد من هذه الأقنعة ووزعوها بالمجان على العموم، فضلا عن ذلك نشرت الصحف الأميركية مقالات عديدة حول كيفية صناعة الأقنعة الطبية لمساعدة الأميركيين على صناعتها بأنفسهم وتوفير المزيد منها للجنود بالقواعد العسكرية.

في المقابل، رفض كثيرون إجراءات ارتداء الأقنعة الطبية وعبّروا عن سخطهم منها. فعلى سبيل المثال تحدّث أصحاب المحلات عن تراجع عدد زبائنهم بسببها كما لقّب البعض الأقنعة الطبية بأداة الاضطهاد واتهموها بتقييد وتكبيل الحريات.

وأمام تزايد عدد الرافضين لذلك، مرر عدد من الولايات قوانين جعلت ارتداء الأقنعة بالأماكن العمومية أمرا ضروريا وعوقب كل من خالف ذلك إما بغرامة مالية أو بالسجن، كما لجأت بعض السلطات لطباعة ملصقات حائطية دوّنت بها أسماء الأشخاص الذين يحالفون القانون ويتجولون دون أقنعة طبية.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى، تراجع الالتزام بارتداء الأقنعة الطبية بشكل واضح. ففي البداية، ارتدى الأغلبية هذه الأقنعة لتجنب نقل العدوى للجنود الذين يرسلون للقتال بالقارة الأوروبية واعتبروا الأمر واجبا وطنيا. وبسان فرانسيسكو، لقيت هذه القوانين ترحيبا كبيرا ما بين شهر تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 1918.

لكن مع توقيع اتفاقية الهدنة التي أنهت الحرب العالمية وعودة الأنفلونزا الإسبانية بموجة جديدة، عارض كثيرون، من ضمنهم أطباء، إعادة تطبيق قوانين ارتداء الأقنعة الطبية واتجهوا لتأسيس جمعية عملت على إسقاطها.

مع نهاية الجائحة، حافظ أغلب الأميركيين على عادة استخدام المناديل الورقية. وفي المقابل، اندثرت عادة ارتداء الأقنعة الطبية. إلى ذلك، يختلف أغلب المؤرخين المعاصرين حول مدى جدوى ارتداء الأقنعة الطبية في كبح تفشي الأنفلونزا الإسبانية ويؤكدون في مقابل ذلك على تسجيل الولايات التي اتخذت إجراءات وقائية مبكرة معدلات إصابة منخفضة مقارنة بغيرها.

المصدر الأصلي للمقال

Share this post

    " مَنقُول "

    مواضيع منقولة من الصَخف والجرائد ضائعة وسط الاخبار والأقسام العديدة في الصَحف, نَعيد نشرها ونبَرزها ونرتّبها لتحقق أكثر فائدة والحقوق لمالكيها, ولأي اعتراض نرحو مراسلتنا.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    scroll to top