بفضل الوباء..هدم البشر المباني وشيّدوا مساحات خضراء

d9f134eb-5701-4d71-b236-acb1869993b0_16x9_1200x676-4.jpg

خلال القرن التاسع عشر، عانت البشرية من ويلات مرض الكوليرا الذي عصف بالعالم من خلال موجات عديدة متسببا في سقوط ملايين الضحايا. وقد سجّل هذا المرض لأكثر من مرة ظهوره ببلاد الهند لينتشر ويتفشى منها نحو مختلف الدول وسط عجز شبه تام من السلطات على احتوائه.

فعلى الرغم من مجهودات جبارة بذلها أطباء وعلماء تلك الفترة لفهم طبيعة الكوليرا، واصل هذا الوباء تفشيه حاصدا في طريقه مزيدا من الأرواح بسبب النظريات القديمة السائدة حول طرق انتقال العدوى.

وخلال صيف 1832، مرّت الكوليرا بنيويورك فعانى ضحاياها من الإسهال الشديد والغثيان والقيء كما تسببت في غضون أسابيع قليلة في وفاة نحو 3500 شخص من سكان نيويورك المقدر عددهم حينها بربع مليون نسمة.

ومع عودتها سنة 1849، قتلت الكوليرا حوالي 5000 من سكان المدينة. وبسبب النظريات العلمية القديمة السائدة حينها بالعالم، لعبت موجات الكوليرا المتتالية دورا هاما في تغيير شكل وتقسيم مدينة نيويورك مانحة إياها جانبا من ملامح المدينة التي نعرفها اليوم.

خلال القرن التاسع عشر، اكتظت كبرى المدن الأوروبية والأميركية بالسكان وبسبب ذلك تراكمت الفضلات البشرية والحيوانية بالشوارع خاصة مع اعتماد نظام صرف صحي رديء أدى لتلوث مصادر مياه الشرب ونشر الأمراض.

وأمام غياب نظرية جرثومية الأمراض، آمن الناس حينها بنظرية الميازما (miasma) التي تعود للعصور الوسطى حيث ألقى الجميع حينها باللوم على ما لقبوه بالهواء الفاسد المنبعث من تعفن المواد العضوية واتهموه بالتسبب في نشر الأمراض كالكوليرا والطاعون.

ومع انتشار الكوليرا وسقوط آلاف من الضحايا، اتجهت سلطات نيويورك لاتخاذ إجراءات عاجلة تطابقت مع نظرية الميازما فعمدت لطرد نحو 20 ألف خنزير من المدينة، كما لجأت لبناء نظام قنوات مياه جديد امتد لأكثر من 40 ميلا وساهم في جلب المياه النظيفة للمدينة، وأسست نظام صرف صحي تحت الأرض لتجنب انبثاق ما لقبوه بالهواء الفاسد.

من جهة ثانية، آمن الأميركيون بضرورة توفير مساحات خضراء لمواجهة الغازات الميازمية وتوفير هواء نظيف وذي رائحة طيبة. وقد كان المهندس والمصمم والناقد الأميركي فريدريك لو أولمستد (Frederick Law Olmsted)، الذي فقد ابنه بسبب الكوليرا، أحد أبرز مساندي نظرية الميازما.

ولمواجهتها، اقترح الأخير إنشاء أعداد كبيرة من الحدائق التي ستلعب دور الشرايين لتوفير الهواء النظيف للبشر. ومع ظهور أمراض كالكوليرا والحمى الصفراء، لم تتردد مختلف المدن الأميركية في توفير نسبة هامة من ميزانياتها لإنشاء الحدائق والأماكن الخضراء.

ومع نهاية موجة الكوليرا الثانية، انطلقت بمدينة نيويورك أشغال تشييد حديقة سنترال بارك (Central Park) الشهيرة عقب رصد مبالغ مالية هامة لإنجاح مخططها الذي وضعه كل من فريدريك لو أولمستد وزميله ذو الأصول البريطانية كالفرت فوكس (Calvert Vaux). ومع نجاح مشروع سنترال بارك، حقق المصمم أولمستد شهرة بالولايات المتحدة الأميركية فأوكلت إليه إثر ذلك مهمات أخرى وضع من خلالها خطط إنشاء أكثر من 100 حديقة بكل من بوسطن وبوفالو شيكاغو وديترويت.

وبالجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ساهمت الكوليرا في تغييرات جذرية على شكل المدن. فعلى الرغم من أبحاث الطبيب الإنجليزي جون سنو حول الكوليرا واكتشاف نظيره الإيطالي فيليبو باتشيني (Filippo Pacini) للبكتيريا المسببة للمرض آمنت الأغلبية بنظرية الميازما.

وعقب كارثة النتن الكبير بلندن سنة 1858، اتجهت سلطات العاصمة البريطانية لإنشاء نظام صرف صحي عصري كما عمدت لتشييد العديد من الحدائق عند ضفاف نهر التيمز. وبباريس، وافق الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث على إعادة هيكلة العاصمة الفرنسية عقب موجة الكوليرا التي قتلت 20 ألفا من سكان المدينة.

وتحت إشراف المهندس جورج أوجين هوسمان (Georges-Eugène Haussmann) هدمت السلطات الفرنسية أكثر من 10 آلاف مبنى بباريس وأعادت تشييد أحياء أخرى واسعة ملئت بالحدائق والأشجار والنافورات كما أعادت هيكلة نظام التصريف الصحي.

المصدر الأصلي للمقال

Share this post

    " مَنقُول "

    مواضيع منقولة من الصَخف والجرائد ضائعة وسط الاخبار والأقسام العديدة في الصَحف, نَعيد نشرها ونبَرزها ونرتّبها لتحقق أكثر فائدة والحقوق لمالكيها, ولأي اعتراض نرحو مراسلتنا.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    scroll to top