تترك كل صدمة اقتصادية إرثا، ولن تكون الأزمة الاقتصادية التي ستترتب على تفشي جائحة فيروس كورونا حول العالم استثناءً مختلفًا على الرغم من الهزة الاقتصادية هذه المرة بسبب حالة طوارئ صحية عالمية عامة، بحسب ما نشرته شبكة "بلومبيرغ" الإخبارية.

في غضون الأسابيع الماضية، اعتاد الكثيرون في المناطق المتضررة على ارتداء الكمامات وتخزين الضروريات وإلغاء التجمعات الاجتماعية والتجارية وإلغاء خطط السفر والعمل من المنزل، بل تتخذ البلدان التي لم يظهر بها إلا حالات قليلة نسبيًا العديد من هذه الإجراءات الاحترازية.

تأثيرات على العرض والطلب

ومن المتوقع أن آثار مثل هذه العادات ستستمر لفترة طويلة بعد أن تتم السيطرة على جائحة فيروس كورونا، وستكون بمثابة المكابح فيما يتعلق بالطلب، أما على جانب العرض، فإنها ستضطر المصنعين الدوليين إلى إعادة التفكير في المصادر والأماكن التي يشترون منها موادهم الخام وأماكن تصنيع وبيع منتجاتهم، مما سيؤدي إلى عملية تسريع لتغيير وتنويع مواقع ومصادر المواد الخام والصناعات الوسيطة، بعد أن كشفت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عن مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للمكونات والأجزاء والمكونات اللازمة لعمليات التصنيع.

العمل من المنزل

أما في عالم ذوي الياقات البيضاء، فقد اتجهت الكثير من أماكن العمل إلى تكثيف الخيارات للعمل عن بُعد أو تخفيف أعداد العاملين في نوبات العمل، إيذانا بعصر جديد حيث سيعد العمل من المنزل جزءًا متزايدًا من الجدول الزمني المعتاد للأشخاص.

وتقول كارين هاريس، المدير الإداري لشركة Macro Trends Group في نيويورك: "بمجرد وضع سياسات فعالة للعمل من المنزل، فمن المرجح أن تبقى" بعد السيطرة على الجائحة أجلًا أو عاجلًا.

المدارس والجامعات

وستعمل الجامعات، التي تأثرت بسبب حظر السفر بين البلدان، على البحث عن حلول لمدى تنوع قاعدة طلابها الأجانب، كما ستحتاج المدارس إلى الاستعداد بشكل أفضل لمواصلة التعليم عبر الإنترنت، بعدما فرض انتشار الوباء إغلاقها.

عالم السياحة والسفر

يشهد قطاع السياحة على مستوى العالم واحدة من أكثر الضربات قسوة، حيث تم وقف الرحلات الجوية والبحرية وإغلاق الفنادق وتعطل شبكة الشركات والخدمات، التي يتغذى عليها هذا القطاع. وفي حين أن السياح سيحرصون بلا شك على معاودة استكشاف العالم والاسترخاء على الشواطئ، لكن ربما يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تتعافى صناعة السياحة الضخمة والتي توظف حوالي واحد من كل 10 موظفين أو عمال حول العالم.

أولويات اقتصادية

كما فرضت جائحة فيروس كورونا نظرة سياسة اقتصادية مختلفة أدت إلى ظهور قائمة أولويات جديدة، حيث عادت البنوك المركزية إلى وضعية الطوارئ مرة أخرى، وفي نفس الوقت تبحث الحكومات بشكل أعمق للعثور على مصادر مالية لدعم القطاعات المتعثرة. وتزيد أيضا مهام وخدمات النظافة من الأعباء على جداول الأعمال الحكومية والشركات المتخصصة بالفعل، فيما تخطط سنغافورة على سبيل المثال لإدخال معايير للنظافة الإلزامية.

ويقول كازو موما، المدير التنفيذي السابق ببنك اليابان: "إن تفشي المرض غير مسبوق، من حيث طبيعته، من ناحية عدم اليقين وما يرتبط به من تأثير اجتماعي واقتصادي". ويقول موما إن الضوابط الحدودية الأكثر صرامة، والتغطية التأمينية الأوسع نطاقًا، والتغييرات الدائمة لأنماط العمل والتنقل ستكون مجرد بعض التغييرات الاقتصادية الصغيرة، التي ستستمر لفترة طويلة بعد انحصار جائحة كورونا.

تشريعات قانونية جديدة

وفي الصين، حيث اندلع فيروس كورونا لأول مرة في ووهان أواخر العام الماضي، فرضت الهيئة التشريعية العليا بالفعل حظرا تاما على تجارة واستهلاك الحيوانات البرية، بعدما صدرت تحذيرات من أوساط علمية من أن الفيروس كورونا المتفشي انتقل في البداية من الحيوانات إلى البشر.

التسوق عبر الإنترنت

ومن المتوقع أن تؤدي قواعد النظافة الصارمة الإضافية إلى زيادة وتيرة إقبال المستهلكين القلقين إلى التسوق عبر الإنترنت، على غرار الطريقة التي غير بها انتشار مرض "سارس" عام 2003 عادات التسوق حيث تجنب المتسوقون التبضع من المراكز التجارية لفترة غير قصيرة.

العلاج عن بُعد

وكشفت دراسة تحليلية أنه من المتوقع أن تشهد الصين والعديد من البلدان تغييرات فورية واضحة في مجال الرعاية الصحية، حيث سيتم اللجوء إلى إجراء المزيد من الفحوصات والمعاملات الصحية الأولية عبر الإنترنت لتجنب خطر التلوث أو العدوى في غرف وقاعات الانتظار المكتظة بالمرضى.

خسائر سارس تخطت 40 مليار دولار

ووفقا لدراسة حول التأثير الاقتصادي الكلي لفيروس كورونا، نشرته مؤسسة بروكينغز، وشارك فيه بروفيسور وارويك ماكبين وروشن فرناندو من جامعة أستراليا الوطنية، يمكن أن تنفق الحكومات أكثر بكثير على الرعاية الصحية لتجنب التكلفة الهائلة والخسائر الرهيبة المترتبة على انتشار الأوبئة.

وقال بروفيسور ماكبين: "كان ينبغي على المجتمع الدولي أن يستثمر الكثير في مجال الوقاية في الدول الفقيرة"، موضحا أنه سبق أن شارك في دراسة سابقة عن تفشي مرض السارس عام 2003، الذي تبين أنه ألحق خسائر بالاقتصاد العالمي تقدر بـ40 مليار دولار.

محفز للتغيير

ويستشهد جيمس بوتون، الذي عمل لعشرات الأعوام في صندوق النقد الدولي بعضا منها كمؤرخ، بالانهيار الاقتصادي في كوريا الجنوبية وإندونيسيا والذي أصبح محفزا للتغيير، ولكن شريطة أن تسارع الحكومات بالعمل على المبادرة بإجراء تعديلات وتجديد لسياساتها. ويقول بوتون: "تكون الحكومات قادرة على حشد الشعوب لقبول الإصلاحات الضرورية والمؤلمة فقط في وقت الأزمات. وهكذا يمكن اعتبار أن كل أزمة هي أيضا فرصة (لبدايات جديدة)".

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *