تصنف العاصمة النمساوية فيينا كواحدة من أروع المدن الأوروبية حيث تستقطب الأخيرة سنويا عددا هائلا من الزوار الذين يحلّون بها لزيارة العديد من الأماكن التاريخية ذات الطابع المعماري المميز مثل قصر شونبرون (Schönbrunn) وقصر هوفبرغ (Hofburg) وقصر أوغرتن (Augarten) وكنيسة سانت ستيفان (St. Stephen) ودار الأوبرا ومبنى البلفدير (Belvedere).

ويتوسط شارع غرابن (Graben) بفيينا معلم تاريخي فريد من نوعه يثير دائما استغراب وإعجاب الزوار ويسمى بعمود الطاعون وقد جاءت هذه التسمية نسبة لمأساة عاشت على وقعها العاصمة النمساوية عام 1679.

أسوأ موجات الطاعون

وبينما يحلم الكثيرون حاليا بزيارة هذا المكان، مثّلت فيينا أواخر سبعينيات القرن السابع عشر أسوأ مكان يمكن أن يتواجد به إنسان، وعاشت المنطقة حينها على وقع تفشي وباء الطاعون الذي جاء ليعيد للجميع ذكريات أهوال فترة الطاعون الأسود خلال القرن الرابع عشر.

خلال تلك الفترة، مثّلت فيينا طريقا تجاريا ربط بين غرب أوروبا والشرق الأوسط والصين. أيضا، تميّزت العاصمة النمساوية باكتظاظها. فإضافة لعدد سكانها الكبير، حلّ يوميا كثير من المسافرين والتجار بالمدينة حاملين معهم بضائعهم وأمتعتهم.

من جهة ثانية، عانت فيينا من بناياتها المتلاصقة وغياب قنوات الصرف الصحي الملائمة وانتشار البراغيث والجرذان والفئران التي وجدت المناخ المناسب للتكاثر بسبب تكدّس السلع التي جيء بها من الشرق والغرب.

جثث ملأت الشوارع

سنة 1679، عاشت فيينا على وقع واحدة من أسوأ موجات الطاعون على مر تاريخها حيث انتشر الوباء بشكل سريع بفضل العوامل البيئية السيئة والاكتظاظ وحركة التجارة.

وعلى حسب مصادر تلك الفترة، انتشرت الجثث بالشوارع وهو ما دفع بالسلطات لالتقاطها ونقلها خارج المدينة بهدف وضعها بحفر جماعية وإحراقها أملا في وقف زحف المرض وتهديده لحياة بقية السكان.

إلا أن تلك الحفر التي ظلت معرضة للهواء لأيام قبل ردمها ساهمت بدورها في نقل البكتيريا المسببة للمرض لبقية الجرذان. أيضا، أنشأ الرهبان بالعاصمة النمساوية عددا من المستشفيات التي خصصت لاستقبال المرضى سواء كانوا من الأطفال أو البالغين.

وعلى الرغم من تواصل التداوي غالبا بطرق قديمة ومضرة تعود للعصور الوسطى كالفصد وعلق الماء والدواء المقيئ، عرفت فيينا خلال تلك الفترة ظهور بعض التدابير الصحية التي جاء بها الطبيب النمساوي الشهير بول دي سوربايت (Paul de Sorbait) للحد من تفشي الطاعون فساهم بفضلها في إنقاذ العديد من الأرواح.

وخلال العام 1679، أسفر طاعون فيينا عن وفاة نحو 76 ألفا من سكان المدينة. ومع نهاية الكارثة، أنشأ أهالي فيينا عمود الطاعون بالمدينة والذي شيّد، اعتمادا على تصاميم النحات ماتياس روشميلر (Matthias Rauchmiller)، لشكر الله وتخليد ذكرى الطاعون الذي هزّ أرجاء المدينة. وقد وعد الإمبراطور ليوبولد الأول (Leopold I) بإنشاء هذا العمود عند نهاية الوباء تزامنا مع فراره من فيينا عام 1679 خوفا من العدوى.

من جهة ثانية، سجلت العديد من المناطق القريبة ظهور الطاعون خلال السنوات التالية. فعام 1681، فارق 80 ألفا من سكان براغ الحياة بسبب هذا المرض الذي انتشر أيضا ببعض المدن الألمانية كدرسدن وماغديبورغ.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *