خلال عامين فقط، تعرض نحو 500 مليون شخص حول العالم للفيروس المسبب للأنفلونزا الإسبانية فارق من ضمنهم 50 مليوناً الحياة بسبب تبعات المرض. وبسبب ذلك، تخطى عدد ضحايا هذا الوباء ضحايا الحرب العالمية الأولى المقدر عددهم بحوالي 20 مليوناً بين قتيل وجريح.

في الأثناء، سجّل أعلى معدل وفيات بسبب الأنفلونزا الإسبانية خلال فترة خريف عام 1918 حيث بلغت أعداد ضحايا هذا الوباء أرقاما قياسية فخلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 1918 لوحده وضعت الأنفلونزا الإسبانية حدا لحياة 200 ألف أميركي. وبسبب هذا الارتفاع المفاجئ في أعداد الضحايا، يؤمن أغلب المؤرخين بوقوف فيروس متحور وراء الموجة الثانية للأنفلونزا الإسبانية.

فمع بداية ظهور أولى الحالات بقاعدة فونستون العسكرية بكنساس خلال شهر آذار/مارس 1918، كانت أعراض الأنفلونزا الإسبانية أشبه بأعراض الأنفلونزا الموسمية. وبحلول أواخر ذلك الشهر، انتقلت العدوى لنحو 1100 جندي أميركي فارق الحياة منهم 38 عقب ظهور التهابات رئوية لديهم.

ومع انتقالهم نحو القارة الأوروبية لمواجهة الألمان على الجبهة الغربية، نقل الجنود الأميركيون ما بين شهري أيار/مايو ونيسان/إبريل 1918 فيروس الأنفلونزا الإسبانية معهم لتنتشر بذلك العدوى بين الجنود الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين وتنتقل نحو إسبانيا وبقية أرجاء أوروبا.

ولحسن حظ الجميع، كان خطر الفيروس حينها ضئيلا حيث قارب بالكاد عدد ضحاياه ضحايا الأنفلونزا الموسمية، وتجسدت أعراضه أساسا في ارتفاع درجة حرارة الجسم وقد شفي المصابون به عموما في فترة لم تتجاوز غالبا الثلاثة أيام.

ومع حلول صيف عام 1918، تراجع عدد الإصابات بالأنفلونزا الإسبانية وفي حدود شهر آب/أغسطس من نفس السنة آمن الجميع بتغلبهم على هذا المرض.

إلا أن ذلك لم يكن سوى الهدوء الذي سبق العاصفة حيث ظهرت بشكل مفاجئ سلالة أخرى متحولة من فيروس الأنفلونزا الإسبانية كانت أخطر من تلك التي عرفها الجميع. وقد كانت هذه السلالة قادرة على قتل شخص يتمتع بصحة جيدة بعد 24 ساعة فقط من ظهور أعراض المرض الأولى لديه.

في الأثناء، لعبت الحرب العالمية الأولى الدور الأهم في نشر العدوى. فخلال تنقلهم بين مختلف المدن وعودتهم لأوطانهم، نقل الجنود البريطانيون والفرنسيون والأميركيون المرض معهم وساهموا في نشره. أيضا، اعتمدت أغلب الدول سياسة سيئة لاحتواء الأنفلونزا الإسبانية.

ففي بريطانيا، رفض المسؤولون تطبيق سياسة الحجر الصحي بسبب حالة الحرب مع الألمان، وأكد الجميع حينها على حاجة بلادهم الماسة لاستمرار عمل مصانع الأسلحة ورفضوا فكرة إفراغها من العمال.

وبالولايات المتحدة الأميركية، أبى الصليب الأحمر الاستعانة بخدمات الممرضات ذوي الأصول الإفريقية بسبب سياسة التمييز العنصري على الرغم من النقص الحاد في الممرضين حينها.

وعلى حسب العديد من المختصين، سبب فيروس الأنفلونزا الإسبانية في خضم الموجة الثانية ردة فعل خطيرة بالجهاز المناعي للإنسان وقد تجسدت أعراض المرض حينها في ارتفاع لدرجة حرارة الجسم والتهاب رئوي ونزيف حاد بالأنف.

وقد أجرى عدد من الأطباء البريطانيين عمليات تشريح على الضحايا فشبهوا تأثير الأنفلونزا الإسبانية على الرئتين بتأثير السلاح الكيمياوي. وبحلول شهر كانون الأول/ديسمبر 1918، عرفت الموجة الثانية من المرض نهايتها.

لكن خلال شهر يناير/كانون الثاني 1919، ظهرت بأستراليا موجة ثالثة سرعان ما انتقلت لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية إلا أنها كانت أقل تأثيرا من الموجة الثانية بفضل نهاية الحرب العالمية الأولى وعودة الجنود لديارهم.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *