ما بين العام 1918 و1920، عاش العالم على وقع أهوال الإنفلونزا الإسبانية التي جاءت لتعصف بالبشرية متسببة في وفاة نحو 50 مليون شخص أي ما يقارب 3% من سكان العالم حينها.

وفي الولايات المتحدة الأميركية، سجّل المرض ظهوره بداية من شهر آذار/مارس 1918 لينتشر بشكل سريع ويتسبب خلال الأشهر التالية في بلوغ معدل الوفيات أرقاماً قياسية.

فريدريك ترمب.. ضحية الوباء

فخلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 1918، أسفرت الإنفلونزا الإسبانية وحدها عن وفاة زهاء 200 ألف أميركي. ومن ضمن ضحايا هذا الوباء، دوّن التاريخ اسم رجل الأعمال الأميركي ذي الأصول الألمانية فريدريك ترمب (Frederick Trump) جدّ الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب.

ففي يوم 29 أيار/مايو 1918، تعرض فريدريك ترمب أثناء تجوّله برفقة ابنه فريد ترمب (Fred Trump)، والد دونالد ترمب، لوعكة صحية لازم على إثرها الفراش.

وبادئ الأمر، توقع الأطباء إصابة فريدريك ترمب بالتهاب رئوي قبل أن يتراجعوا ويؤكدوا إصابته بمرض الإنفلونزا الإسبانية الذي سجّل ظهوره بالبلاد منذ فترة وجيزة. وخلال اليوم التالي، فارق فريدريك الحياة عن عمر يناهز 49 سنة، ليكون بذلك من أوائل الأميركيين الذين توفوا بسبب هذا الوباء العالمي.

استنفار أميركي

ومع تفشي الإنفلونزا الإسبانية، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتحمل أعداد الموتى المرتفعة التي قدرت ما بين عامي 1918 و1920 بنحو 675 ألف شخص.

ففي فترة غاب خلالها استخدام أفران حرق الجثث، عانى الأميركيون من أزمة دفن الضحايا واضطر متعهدو القبور وصانعو التوابيت للعمل بشكل مستمر لتوفير الخدمات الملائمة لزبائنهم.

وبحسب شهادات عدد من أهالي مدينة بالتيمور، حلّت الممرضات يومياً بمنازل المصابين لتفقدهم ورفع جثث الموتى. وقد اضطر المرضى أحيانا للمكوث بنفس الأسرّة بجوار جثث ضحايا الوباء.

ومع تزايد أعداد الموتى، عانت أغلب المدن الأميركية من نقص فادح في حفّاري القبور الذين تغيّبوا عن عملهم إما بسبب إصابتهم بالمرض أو خوفا من انتقال العدوى إليهم.

الطاعون الأسود

وفي عدد من مدن كنيو برونزويك بولاية نيوجيرسي، لجأت السلطات المحلية لإجبار السجناء على القيام بحفر القبور لمجابهة تكدّس الجثث. أما بمدينة بالتيمور، فقد اضطرت السلطات للاستعانة بخدمات عدد من المتطوعين لدفن جثث 170 شخصاً فارقوا الحياة قبل نحو 3 أسابيع.

وتزامنت الإنفلونزا الإسبانية مع فترة الحرب العالمية الأولى، وهو ما أدى لارتفاع كبير في عدد الجثث بالولايات المتحدة الأميركية. وأمام هذا الوضع، واجه صانعو التوابيت أزمة حقيقة حيث تسابق الجميع لتوفير تابوت ملائم لموتاهم. أيضا، أثار الأمر قلق العديد من المسؤولين بالجيش الذين عبّروا عن استيائهم لعدم قدرة البلاد على توفير توابيت للجنود الذين قدّموا حياتهم بالحرب العالمية الأولى.

تدابير وقائية صارمة

وبينما لجأ البعض لاستخراج التوابيت القديمة من تحت الأرض وإفراغها من محتوياتها لاستخدامها مرة ثانية، أمر المسؤولون بعدد من المدن الأميركية بصناعة توابيت عادية ورقيقة بهدف توفير كميات من الخشب وتسريع عملية صناعتها.

وبمدينة فيلاديلفيا، كان الوضع أشبه بفترة الطاعون الأسود بالعصور الوسطى. فمع بلوغ الوباء لأوجه، وصل عدد الذين يفارقون الحياة يوميا إلى ألف من سكان المدينة، وتكدس ما لا يقل عن 500 جثة يومياً في مشرحة المدينة التي كانت تتسع لـ36 جثة فقط.

فكانت عربات تجرها الخيول تجول أحياء المدينة لجمع الجثث من المنازل. وقد اتجه رجال الدين لمساعدة أفراد الأمن والمسؤولين في مهام الدفن ونقل الجثث. ومع ارتفاع أعداد الضحايا وبلوغها لأرقام قياسية، لم يتردد سكان فيلادلفيا في دفن موتاهم بمقابر جماعية.

ولتجنب انتقال العدوى، فرضت بعض المدن الأميركية قوانين صارمة منعت من خلالها المراسم الجنائزية وألغت العديد من المناسبات والاحتفالات التي تميّزت بتجمهر أعداد كبيرة من المواطنين خلالها.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *