على مر التاريخ، عرفت البشرية العديد من اللحظات السوداء بسبب أمراض وأوبئة فتكت بعدد هائل من الأشخاص. وإضافة للطاعون الأسود الذي تسبب في زوال نحو ربع سكان الأرض بالعصور الوسطى وطاعون لندن الذي أدى لوفاة ما يزيد عن 75 ألفا عام 1665 وطاعون مرسيليا الذي أجهز على 100 ألف نسمة سنة 1720، مرت إيطاليا بداية من العام 1629 بموجة طاعون أفرغت مدنا عديدة من سكانها وتسببت في انهيار عظمة بعضها.

ففي خضم حرب الثلاثين عاما التي استمرت بين سنتي 1618 و1648، تنقلت القوات الألمانية والفرنسية عبر شمال إيطاليا ناقلة معها وباء الطاعون الدبلي نحو الدويلات الإيطالية. وعلى حسب العديد من المؤرخين، سجّل المرض ظهوره سنة 1629 بمدينة مانتوفا (Mantua) بلومبارديا (Lombardy). ومع انسحابهم من شمال ووسط إيطاليا، ساهم جنود جمهورية البندقية في نشر الطاعون الدبلي نحو بقية المدن.

موجة طاعون أولى

إلى ذلك، امتد الوباء ليبلغ بحلول تشرين الأول/أكتوبر 1629 مدينة ميلانو الإيطالية التي اتخذت طيلة أسابيع تدابير صحية لمنع انتشار المرض. فعمدت لعزل كل الحالات المشبوهة وأنشأت أماكن خاصة للمرضى وحدّت من حركة التجارة بأسواقها ومنعت دخول نسبة هامة من الجنود الألمان إليها.

في الأثناء، لم تكن هذه الإجراءات كافية. فبحلول شهر آذار/مارس 1630 اهتزت ميلان على وقع موجة طاعون أولى انتشرت بسبب أحداث كرنفال المدينة. وخلال ربيع وصيف عام 1631 عرفت ميلان موجة طاعون ثانية خلّفت خرابا هائلا بها.

وعلى حسب العديد من المصادر، تسبب وباء الطاعون الدبلي بين عامي 1629 و1631 في وفاة نحو 60 ألفا من أهالي ميلانو المقدر عددهم حينها بنحو 130 ألف نسمة أي ما يعادل 46 بالمئة من سكان المدينة قبل بداية الكارثة.

نتائج كارثية

وبالبندقية، تسبب الوباء في نتائج كارثية فأضعف المدينة وأنهك اقتصادها وأفقدها جانبا من بريقها على الصعيد العالمي متسببا في وفاة 46 ألفا نسمة، وهو ما يقدر حينها بثلث السكان.

أما فيرونا (Verona) فكانت خسائرها أكبر مقارنة ببقية المدن الإيطالية حيث فارق 33 ألفا من أهاليها الحياة بسبب المرض، وهو الرقم الذي يعادل نسبة 60 بالمئة من سكانها قبل بداية ظهور الطاعون الدبلي.

أيضا، بلغ الوباء عددا من المدن الإيطالية البارزة الأخرى. ففي فلورنسا بلغ عدد ضحايا الطاعون 9 آلاف شخص، وفي بولونيا (Bologna) تخطى عدد الموتى 15 ألف نسمة، وهو ما يعادل ربع سكانها.

وتحدّث عدد ممن عاصروا الوباء في كتاباتهم عن انتشار الجثث بالشوارع ولجوء بعض المدن كالبندقية وميلانو لعزل المرضى وإحراق ثيابهم وممتلكاتهم لمنع انتشار الوباء. كما اتجهت سلطات البندقية لاحقا لاعتماد إجراءات أخرى فأقدمت على جمع أعداد هامة من المرضى ونفتهم خارج المدينة عن طريق عزلهم بإحدى الجزر القريبة.

إلى ذلك، تسبب وباء الطاعون الدبلي الذي ضرب إيطاليا ما بين عامي 1629 و1631 في وفاة ما لا يقل عن 230 ألفا من سكانها مخلفا آثارا سلبية على العديد من دويلاتها التي حظيت بدور هام بالمنطقة طيلة القرون السابقة.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *