على مر التاريخ، ساهم العديد من الأطباء والبيولوجيين في تخليص البشرية من أمراض وأوبئة فتكت بأعداد هائلة من البشر.

وإضافة للإنجليزي إدوارد جينر مكتشف لقاح الجدري، والفرنسي لويس باستور مخلص البشر من داء الكلب، والأميركي جوناس سولك مكتشف لقاح شلل الأطفال، كان العالم شاهداً خلال النصف الأول من القرن العشرين على إنجازات الطبيب الفرنسي شارل جول هنري نيكول (Charles Jules Henry Nicolle)، المعروف أكثر باسم شارل نيكول، التي جاءت لتضع حداً لمرض مميت أزهق ملايين الأرواح.

ولد شارل نيكول يوم 26 أيلول/سبتمبر 1866 بمدينة روان (Rouen) الفرنسية لعائلة تميّزت بتخصصها في مجال الطب حيث تخصص كل من والده يوجين نيكول وشقيقه الأكبر موريس نيكول في مجال الطب والأبحاث البيولوجية.

أما شقيقه الأصغر مارسيل نيكول، فقد فضّل طريقاً مختلفاً وأصبح بموجبه ناقداً فنياً.

ومنذ طفولته، تلقّى شارل نيكول وإخوته دروساً في مجال البيولوجيا عند والدهم، وبفضل ذلك اتجه هذا العالم الفرنسي لاتباع خطى شقيقه موريس في مجال الطب، متخلياً بذلك عن جانب من طموحاته بالتخصص في الآداب.

ودرس شارل نيكول في كل من كلية الطب بباريس ومعهد باستور، وتتلمذ هناك على يد عدد من مشاهير الطب، كألبرت غومبولت وإيميل رو، صاحب الأبحاث الهامة حول مرض الخناق، وإيلي ميتشنيكوف الذي حقق شهرة عالمية بفضل أبحاثه حول جهاز المناعة لدى الإنسان.

وبعد أطروحة حول مرض القريح سنة 1893، حصل شارل نيكول على درجة الدكتوراه فانضم لفريق كلية الطب بروان ونصب مديراً لمختبر الباكتريورلوجيا، تزامن كل ذلك مع إصابته بمشاكل حادة بحاسة السمع أجبرته على الاكتفاء بالعمل داخل المخبر.

ومع نشوب خلافات بينه وبين المسؤولين الطبيين المحليين وإدارة مستشفى روان، وافق شارل نيكول سنة 1903 على الانتقال إلى تونس لإدارة معهد باستور خلفاً لعالم الأحياء الدقيقة الشهير أدريان لوار.

وخلال عهد شارل نيكول، تحوّل معهد باستور بتونس لأحد أهم مراكز الأبحاث البكتريولوجية بالعالم.

فأثناء تواجده بتونس، درس هذا الطبيب الفرنسي عدداً من الأمراض التي لطالما أنهكت السكان، فساهم في وضع أسس الأبحاث المعاصرة حول الحمى المالطية، وحدد تطعيماً وقائياً لها، كما اكتشف طرق انتقال داء البابسيات، وأجرى أبحاثاً عديدة حول السرطان، والحمى القرمزية، والإنفلونزا، والسل، والتراخوما، المعروف بالرمد الحبيبي، وداء الليشمانيات، كما قدّم وصفا للمقوسة الغوندية.

وفي مطلع القرن العشرين، حقق شارل نيكول أهم إنجاز بحياته، حيث نجح الأخير في وضع حد لمرض التيفوس، المعروف أيضا بالحمى النمشية، الذي لطالما أنهك البشرية على مدار آلاف السنين، حيث تسبب هذا المرض في وفاة عدد كبير من سكان أثينا، من ضمنهم القائد والسايسي الشهير بريكليس، سنة 430 قبل الميلاد، كما أهلك عشرات الآلاف من جنود نابليون بونابرت خلال حملته على روسيا سنة 1812 وقيل إنه لعب دوراً هاماً في تعاظم أعداد ضحايا حرب القرم ما بين عامي 1853 و1856.

وسنة 1909، استغل شارل نيكول تفشي التيفوس الوبائي بتونس ليباشر بإجراء مجموعة من الأبحاث رفقة صديقيه إرنست كونسي (Ernest Conseil) وشارل كونت (Charles Comte) أثبت من خلالها دور القمل في نقل المرض.

وبعد جملة من الزيارات لمستشفى الصادقي، لاحظ شارل نيكول انتقال التيفوس للعمال الذين تكفلوا باستقبال المرضى وتغيير ثيابهم ونجاة الطاقم الطبي من العدوى. وعقب إجرائه لتجارب أولية على عدد من الحيوانات، أمر شارل نيكول بحلق شعر المرضى وتخليصهم من القمل الموجود على أجسادهم بحمام المستشفى، ثم لاحظ بعد ذلك زوال العدوى وتراجع حدة انتشار المرض.

بفضل هذا، وثّق شارل نيكول نظريته في أن القضاء على التيفوس يقتصر أساساً على تطبيق عدد من قواعد النظافة، وساهم في إنهاء موجة الوباء التي اجتاحت تونس حينها.

تكريماً له على إسهاماته وأبحاثه حول مرض التيفوس وطرق منع انتشاره، حصل شارل نيكول سنة 1928 على جائزة نوبل للطب.

إلى ذلك، تواصل دور شارل نيكول على رأس معهد باستور لحين وفاته سنة 1936، حيث دفن الأخير بنفس المكان الذي عمل به على مدار 33 عاماً.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *