لمَ يخرّب بعض الأشخاص الأكثر ذكاء نجاحهم الخاص؟ يعود ذلك إلى الأفكار اليومية اللاواعية، التي تُدعى أيضاً التشوهات المعرفية، والتي حدّدها أولاً كل من عالم النفس آرون بيك والدكتور ديفيد بورنز.

من الطبيعي الوقوع ضحية الأفكار غير المنطقية من حين إلى آخر، فزلات القدم الفكرية تنتشر حتى بين الأشخاص الأكثر ذكاء والأوسع حيلة. لذلك نستطيع جميعنا فهّم الشعور بأن ثمة ما يعوق طريقنا. يشكل هذا جزءاً لا يتجزأ من طبيعتنا البشرية. إنه رد فعل تطوري مصمم لإبقائنا آمنين ومحميين.

رغم ذلك، من الممكن للأفكار غير المنطقية أن تعوق دربنا نحو النجاح وإقدامنا على المخاطرات السليمة الضرورية. على سبيل المثال، ربما يقول لك الناقد في داخلك إنك لست جيداً كفاية وإنك ستفشل لا محالة. كذلك تعقّد التشوهات المعرفية علاقاتنا. تعتقد، مثلاً، أن رب عملك مستاء عندما تقترف خطأ أو تقلق حيال نظرة أصدقائك وعائلتك إليك.

في المقابل، تستطيع بالتأكيد أن تطوّر الوعي الذاتي اللازم لتوقف هذه الأفكار غير المنطقية وتبدّلها. ومع قليل من الانضباط، تنجح في كبح هذا التفكير. تتمكن تدريجياً من تعديل حوارك مع نفسك ليصبح أكثر اتزاناً، ومتانة، ودعماً ليساعدك في بلوغ أهدافك ومعالجة الأوضاع الصعبة. إذاً، يشكّل النجاح في معرفة الأفكار السلبية وتحديد أنها غير منطقية وهدّامة خطوة ضرورية للتخلص من الإجهاد الذي تسببه.

إليك لمحة عن التشوهات المعرفية الأكثر شيوعاً، التي حددها بورنز، فضلاً عن أمثلة لكيفية ظهورها في حياتك وعملك.

تشوهات معرفية

• عملية التصفية العقلية: تختار تفصيلاً سلبياً واحداً وتركّز عليه. ربما تتلقى كثيراً من التعليقات الإيجابية خلال العرض الذي تقدّمه في العمل. ولكن إذا وجّه إليك أحد الزملاء انتقاداً عابراً، تعجز عن نزعه من تفكيرك طوال أيام.

• تصنيف «الكل أو لا شيء»: ترى المسائل بالأبيض والأسود. مثلاً، إذا أعلمك رب عملك أنك لم تكن على قدر التوقعات في مجال واحد من مراجعة أدائك، فتعتبر أنك «أخفقت إخفاقاً كاملاً» في وظيفتك. ما من مجال للحلول الوسط مع طريقة التفكير هذه: لا تقبل أن تكون أجزاء من عملك ممتازة، في حين أنك مضطر إلى العمل بجهد أكبر على أجزاء أخرى.

• مبالغة في التعميم: يقوم ذلك على الاعتقاد بأن أمراً ما سيحدث دوماً لأنه حدث مرة. مثلاً، إذا أوكل رب عملك مهمة مذهلة إلى زميل آخر، لا تكفّ عن التفكير: «يا لحظي البائس! أخسر دوماً».

• تجاهُل الأمور الإيجابية: تعتاد أن تقلل من أهمية تجاربك الإيجابية، معتبراً أنها لا تُؤخذ في الحسبان. وإذا قمت بعمل جيد، تبرر ذلك قائلاً إن بإمكان الجميع في فريقك أن يقدموا أداء جيداً مماثلاً، لذلك ما أهمية ما أنجزته؟

• تكوين استنتاجات متسرّعة: يشكّل تفسير الوقائع سلباً من دون أدلة تدعم هذا الاستنتاج إشارة واضحة إلى نمط التفكير هذا. مهما كانت الظروف، تتوقّع أن تأخذ المسائل منحى سيئاً. مثلاً، تقول لنفسك قبل اجتماع بالغ الأهمية: «سأخفق بالتأكيد».

• التحليل العاطفي: تفترض أن مشاعرك السلبية دليل على حقيقة الأمور. ربما تقول في قرارة نفسك: «ينتابني شعور سيئ حيال مشاركتي في لقاءات تضمّ رجال أعمال ومقاولين كثراً». لذلك «لا بد من أن مشاركتي فكرة سيئة».

• عبارات تبدأ بـ«يُفترض»: بدل أن تفكّر في أفضل طريقة للتعاطي مع الأوضاع على حقيقتها، تطالب بأن تؤول إلى ما ترجوه. لكن تلك العبارات التي تبدأ بـ«يُفترض» والتي توجهها إلى نفسك تقود إلى إحساس بالذنب والاستياء، مثل «أنا شخص بالغ، وكان يُفترض أن أكتشف بحلول هذه المرحلة من عمري شغفي في الحياة». أما عندما توجّه عبارات مماثلة نحو الآخرين، فتولّد فيك الغضب والكره. ولعل عبارة «يُفترض بفريقي أن يكون قادراً على معالجة هذه المسألة من دون إزعاجي» خير مثال.

• اللوم واعتبار المسائل شخصية: يسبِّب هذا التشوه المعرفي الإجهاد عندما تحمّل نفسك شخصياً مسؤولية تطوّر لا تملك القدرة على التحكم فيه بالكامل. مثلاً، ربما ينشأ تصادم بينك وبين أحد زملائك في العمل، فتفكّر: «الخطأ خطئي وحدي» بدل أن تحاول تحديد سبب المشكلة الفعلي لتتمكن أنت وزميلك من حل الخلاف وإعادة العلاقة إلى سابق عهدها. ومن الشائع أيضاً تحميل الآخرين مسؤولية الظروف التي تمرّ بها وتجاهل الطرائق التي أسهمت أنت بها في هذه المشكلة.

هل يبدو لك أي من أنماط التفكير هذه مألوفاً؟ إذاً، آن الأوان لتعيد تدريب تفكيرك كي ينجح في التغلّب على هذه الأفكار غير المنطقية.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *