صحيح أن القادة الحماسيين ملهمون، ولكن لهم حدوداً غير متوقعة. راح يتجوّل بسترته الرياضية الحمراء، مشدداً على كلماته بإشاراته اليدوية. أخذ يحض الراكعين من حوله على ألا يكونوا «أنانيين» في النضال الكامن أمامهم وأن يرسموا مصيرهم بأيديهم: «تتحكمون في نتيجة كل ما يحدث معكم من خلال القرارات التي تتخذونها، من خلال استعداداتكم، ومن خلال أعمالكم». في هذا الخطاب الذي ألقاه مدرب فريق كرة القدم في جامعة ولاية فلوريدا جيمبو فيشر في غرفة تبديل الملابس هذه قبيل مباراة البطولة، طبّق ما يعتبره الباحثون عناصر أساسية في القيادة الجذابة، بما فيها التركيز على القيم، وطرح رسالة، والتحفيز العاطفي. وحقق فريقه النصر.

ما أهمية الجاذبية (أو ما يُعرف بالكاريزما) الفعلية؟ تناولت دراسات حديثة طبيعة قدرة القادة، الذين يتحلون بالجاذبية، على الإلهام والمواضع التي قد يخفقون فيها.

يعتقد الباحثون أن مصدر قوة القادة الجذابين الرئيس يكمن في قدرتهم على إقناع الموظفين، الرياضيين، أو المواطنين بأن القبول بكلفة السعي وراء هدف مشترك يستحق العناء لأن آخرين سينضمون إليهم على الأرجح في هذا المسعى. يوضح جون أنتوناكيس، وهو باحث متخصص في السلوك التنظيمي في جامعة لوزان: «إذا كنت جنرالاً صارماً وأمرت رجالي بأن يهجموا في المعركة، إلا أنني أصدر صوتاً أقرب إلى بطبطة البطة منه إلى زئير الأسد، لن يقتنع الشخص الواقف قربي أن الآخرين سيشاركون في الهجوم».

كذلك تُظهر الأدلة المستمدة من التجارب أن التعاطي مع إنسان يتمتع بالجاذبية، وإن على نطاق محدود، يجعل الناس أكثر تعاوناً: اكتشف عالمَا النفس مارك فان فوغت وآلن غرابو من الجامعة الحرة بأمستردام أن المشاركين الذين شاهدوا أولاً متحدثاً يتحلى بالجاذبية على موقع TED الإلكتروني أو فكروا في شخص جذاب اتخذوا قرارات أكثر فائدة للمجتمع عموماً في بعض الألعاب الاقتصادية.

يستطيع القائد، الذي يعرب عن طاقة وحماسة ويجذب الآخرين إليه، أن يؤثر أيضاً في نظرة أتباعه إلى طريقة تعاطيه معهم. على سبيل المثال، أظهرت مجموعة من الدراسات أن الموظفين الذين منحوا رؤساءهم علامات أعلى في مجال الجاذبية اعتبروهم أيضاً أكثر إنصافاً.

صحيح أن الجاذبية أو الكاريزما تشكّل قوة تحفيز كبيرة، إلا أن أبحاثاً جديدة تُظهر أن مَن يبدون لنا أكثر جاذبية قد لا يكونون بالضرورة أكثر أهلية للقيادة.

اكتشفت دراسات نُشرت في مجلة «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» أن العلاقة بين تصنيف القادة في مجال الأعمال وفق خصال مرتبطة بالقيادة الجذابة (بما فيها الجرأة وسِعة الخيال) وتقييم هؤلاء القادة مقدراتهم بأنفسهم بدت معقدة جداً. فالقادة الذين أعطوا أنفسهم علامات عالية أو متدنية على خصال ترتبط بالقيادة الجذابة اعتبرهم زملاؤهم في العمل أقل فاعلية كمعدل، مقارنة بمَن منحوا أنفسهم علامات متوسطة.

قد لا تكون الجاذبية الكبيرة بحد ذاتها مضرة، لكن مَن حققوا أعلى العلامات على الخصال المرتبطة بها حصلوا على أدنى تقييم في مجال السلوك العملي، الذي يشمل «مراقبة تطبيق الخطط الإستراتيجية والمشاركة في حل المشاكل اليومية»، وفق جاسمين فيرغوي، طالبة دراسات عليا في جامعة غنت شاركت في إعداد البحث. تضيف موضحةً: «يصب القادة الأكثر جاذبية اهتمامهم على الصورة الأكبر والأهداف البعيدة الأمد». نتيجة لذلك، يجعل غياب الاهتمام هذا بإبقاء السفينة سائرة من دون أي عقبات الأشخاص الديناميكيين أقل أهلية لمنصب الربان.

لا يعني هذا أن القادة الجذابين سيخيبون آمالنا دوماً. لكن الأهم يبقى ألا يطغى سحر القائد على عناصر القيادة الفاعلة الأساسية، مثل الخبرة في مجال محدد. يشير أنتوناكيس إلى أن هذه الأصول تشكّل «أساس الكعكة. لكن ما يجعل الكعكة جميلة المنظر الكريما والفراولة على سطحها. وهذه تمثل الجاذبية».

أسلحة الإقناع الشامل

يطبّق الجميع، من الرئيس إلى جارك، إستراتيجيات لإقناع الناس بطريقة تفكيرهم. إلا أن الكثير من هذه الإستراتيجيات يؤدي إلى نتائج عكسية. في كتاب Influential Mind (العقل المؤثِّر)، تعرض خبيرة علم الأعصاب المعرفي تالي شاروت مناورات أكثر إتقاناً لتبديل المعتقدات وأنماط السلوك.

حجج تدعم هدفاً مشتركاً

هل تحاول إقناع شخص ما بنقطة محددة؟ قد يبدو لك من المنطقي أن تغرقه بفيض من الأدلة الداعمة، إلا أن الناس يقاومون بعناد الوقائع التي لا تروق لهم. تذكر شاروت: «من الضروري ربطها بمعتقداتهم ودوافعهم السابقة». على سبيل المثال، عندما أشار الأطباء في إحدى الدراسات إلى فيض من الأبحاث التي تنفي الرابط المزعوم بين اللقاحات والتوحد، لم يُقنع ذلك الأهل القلقين. ولكن حين ركزوا على قدرة اللقاحات على إبقاء أولادهم أصحاء (هدف مشترك بين الأطباء والأهل)، بدا الأهل أكثر ميلاً إلى تبديل رأيهم بنحو ثلاثة أضعاف.

قدّم مكافآت لا تهديدات

نلجأ عادةً إلى السلبية لنحض الآخرين على العمل، مهددين بحرمانهم من أمر يريدونه أو بمواجهتهم مشاكل مستقبلية إن لم يتخذوا خطوات مناسبة. لكن المكافآت تملك قدرة إقناع أكبر. اكتشف فريق شاروت أن المشاركين في الدراسة فضلوا المكافآت تلقائياً، ضاغطين على الزر بسرعة أكبر لكسب دولار، مقارنةً بخسارة واحدة. كذلك تُظهر الأبحاث أن الحوافز تشجع الموظفين بفاعلية أكبر من التهديد والإنذار. تقول شاروت: «دماغنا مبرمج بطريقة تجعلنا أكثر تفاعلاً مع المكافآت التي نحصل عليها الآن، ولهذا تأثير كبير في السلوك».

امنحهم خياراً

تشدد شاروت على أن «الإحساس بالتحكم والسيطرة أمر بالغ الأهمية» لتحفيز الناس على العمل. في إحدى الدراسات، ارتفع عدد مَن قبلوا بدفع «الضريبة للمختبر» كثيراً عندما مُنح المشاركون خيار تحديد المبلغ الذي يودون تقديمه. على نحو مماثل، قد تطلب إلى ولد يأبى تناول الخضراوات إعداد السلطة بنفسه، أو قد تدعو موظفين يواجهون صعوبة في الالتزام بالتوجيهات إلى المشاركة في عملية وضع القواعد.

لا تطلب المستحيل

تفادَ السعي لتحويل مَن تأمل مساعدتهم إلى أشخاص مثاليين.

صحيح أن مَن يعملون في مهن الهدف منها مساعدة الناس، مثل الأطباء، قد يسعون إلى رسم المثال باتباعهم نمط حياة صحياً، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن لهذه الطريقة أوجهاً سلبية.

في دراسة حديثة، راجع أشخاص يتمتعون بوزن صحي وآخرون يعانون زيادة الوزن ويشعرون بالقلق حيال لياقتهم البدنية لمحة مكتوبة عن نمط عيش أطباء عدة تعمّد بعضهم ذكر بوضوح عادات شخصية، مثل ركوب الدراجة الهوائية أو اتباع نظام غذائي صحي. لكن مَن عانوا زيادة في الوزن بدوا أكثر ميلاً إلى التفكير في أن هؤلاء الأطباء سينتقدونهم، لذلك كانوا أقل استعداداً لزيارة عيادتهم، وفق الباحثين.

توضح لوران ك. هوي، باحثة بارزة في الدراسة وعالمة نفس في جامعة ستانفورد: «أعتقد أننا نظن خطأ أحياناً أن الظهور بصورة مثالية يشكّل أفضل طريقة لنبدو خبراء. لكننا نخفق مع خطوة مماثلة في الأخذ في الاعتبار المخاوف التي قد يضيفها الناس إلى هذه الصورة. فقد يخشون، مثلاً، أن يتعاطى معهم الخبير بتعالٍ بسبب عادة يملكونها». وتعتقد هوي أيضاً أن هذا التفاعل بين الخبير والمبتدئ يؤدي دوراً في مجالات أخرى، مثل العلاقة بين المعلم والطالب والرعاية الصحية العقلية.

من المثير للاهتمام أن المشاركين في الدراسة توقعوا أيضاً موقفاً أقل عدائية من الأطباء الذين يولون اللياقة البدنية أهمية، عندما عبّر هؤلاء الأطباء عن مشاعر غير انتقادية، مثل: «لكل إنسان تعريفه الخاص للحياة الصحية»، وأقروا بأن للناس أهدافاً تستحق العناء رغم تنوعها واختلافها.

أبحاث جديدة تُظهر أن مَن يبدون أكثر جاذبية قد لا يكونون بالضرورة أكثر أهلية للقيادة

الأهم يبقى ألا يطغى سحر القائد على عناصر القيادة الفاعلة الأساسية مثل الخبرة في مجال محدد

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *