علم النفس، والطب النفسي، وعلم الوراثة، وعلم الأعصاب، والبصيرة، والتحليل.عملتُ طوال سنوات طبيبة نفسية، مستخدمةً بدأب هذه الأدوات الست لأفهم الأسباب التي تجعل مرضاي فريسة الكآبة، والقلق، واضطرابات الشخصية، أو الرغبة في الانتحار. وحققتُ النجاح في معظم الحالات. إلى أن تجاوزت خبرتي العقد من الزمن وصرتُ أدرك أن هذه الأدوات الست لا تحقق أحياناً هدفها بطريقة جلية ومهمة في حالة مرضاي.

كنت أنا وأطباء هؤلاء المرضى ومعالجوهم السابقون نغفل عن أمر ما. حتى مرضانا أنفسهم لم يتنبهوا له. كان عاملاً مخفياً شكّل سبب الخلل الذي يعانيه كثيرون.

مثّل هذا الأمر النواة الأصلية لطريقة تفاعل المرضى مع الصدمات ومصادر الإجهاد لاحقاً في حياتهم. فقد مهّد الدرب أمام خلل المواد الكيماوية في الدماغ، الذي جعل هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للكآبة والقلق. أو ربما شكّل أساس رد فعلهم تجاه إساءة أهلهم الكبيرة التي أدت، تدريجاً، إلى ظهور أحد اضطرابات الشخصية.

رغم ذلك، غفلنا كلنا عنه. كنا نحن مَن نسعى معاً لمساعدة الآخرين على الشفاء نتغاضى عن لبّ الخلل:

كان مرضانا منفصلين عن مشاعرهم الخاصة.

هذا هو الواقع بكل بساطة.

فوجئت بذلك؟ أنا أيضاً فوجئت. لكن إدراكي مدى قوة آلية التكيف الفاعلة والأساسية هذه، التي يطورها الإنسان مبكراً في الطفولة (إنها كذلك)، بدّل أسلوبي في ممارسة الطب النفسي وطريقة حياتي برمتها.

انفصال عن المشاعر

ولكن كيف يصبح الولد منفصلاً عن مشاعره الخاصة، ما يمهد الطريق أمام الأمراض والاضطرابات المستقبلية؟ يكفي أن ينشأ في عائلة تتجاهل مشاعره أو تخفق في التفاعل معها بشكل ملائم. بكلمات أخرى، يكفي أن يعاني الإهمال العاطفي في الطفولة.

تخيّل أنك ولد وأنك تختبر المشاعر القوية التي يعيشها كل ولد. لكن والديك لا يتنبهان على ما يبدو لما تحس به. تخيل أن أهلك قلما يسألونك عما يزعجك أو لمَ تبدو حزيناً، مستاء، أو غاضباً. تخيل أنهم يقولون لك: «أنت شديد الحساسية»، في حين أنك تعاني جرحاً عاطفياً. وتخيل أن أهلك يجهلون كيفية التعاطي مع مشاعرك. فماذا تفعل؟

تتلقى رسالة قوية تشير إلى الإهمال العاطفي في الطفولة: «لا أهمية لمشاعرك»، شأنك في ذلك شأن الأولاد الذين يعانون هذا الإهمال.

ولكي تخفف هذا العبء عن أهلك وعن نفسك، تدفن أعمق التعابير الشخصية والبيولوجية عن هويتك، ألا وهي مشاعرك. وهكذا تبني «جداراً» داخلياً لتبقيها بعيدة وتحمي عائلتك ونفسك منها، حتى إنك تعتبر مشاعرك مسيئة لا مساعِدة. وتتحول غالباً إلى سر تخجل به.

نتيجة لذلك، تنتقل إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ وتنطلق في العالم بمفردك وأنت محروم من المصدر الأكثر غنى وقيمة للتواصل، التوجيه، التحفيز، والوجود. وهكذا يُمهَّد الدرب.

الكآبة

فيما تتابع حياتك، تواجه تطورات كثيرة، من الأفراح والأحزان إلى الإنجازات والإخفاقات. لذلك من الطبيعي أن تستمر في اختبار مشاعر قوية. ولكن عندما تنشأ مع الإهمال العاطفي في الطفولة، تعمد تلقائياً إلى إبعادها. وهكذا تنقلها بسرعة إلى الجهة الأخرى من الجدار الذي بنيته لتحبسها. فعندما تواجه خسارة، خيبة أمل، جرحاً، أو أي أمر آخر يولد فيك المشاعر، تنمو كتلة المشاعر داخلك. وبما أنك لا تملك وسيلة مناسبة لتواجهها، تعجز عن التعاطي معها بفاعلية. تخفق في استخدامها للتعلم والنمو، كما يُفترض. وفي نهاية المطاف، تثقل كتلة المشاعر كاهلك، مضفية لوناً رمادياً على عالمك.

القلق

على غرار الكآبة، ينشأ القلق أيضاً من مستنقع المشاعر المسوّر داخلك. وعندما لا تُعالج مشاعر الخوف، القلق، أو التوجس، التي تنشأ طبيعياً داخلك، كل واحدة على حدة لحظة ظهورها، تنصهر كلها معاً في الجهة الأخرى من الجدار. فترسل تارةً إشارات تحذير في أوقات لا تحتاج فيها إليها، وتفرط طوراً في إنذارك. وهكذا تعاني القلق.

اضطرابات الشخصية

تنشأ هذه الاضطرابات عندما تنتقل رسائل الطفولة من «لا أهمية لمشاعرك» إلى «مشاعرك سيئة». فلا تُضطر إلى دفع مشاعرك إلى الجهة الأخرى من الجدار فحسب، بل تتعلّم أن تحتقرها أيضاً. وبما أن مشاعرك تشكّل تعبيراً شخصياً عميقاً عن هويتك، تتعلم أن تكره نفسك. وبالاستناد إلى نوع التربية التي تتلقاها، تعاني بعد ذلك النرجسية، النمط الحدي، أو أي نوع آخر من اضطرابات الشخصية.

أفكار ومشاعر انتحارية

عندما تنشأ في أسرة تتعرض فيها للإهمال العاطفي في الطفولة، تتعلّم ألا تسأل وألا تبوح. لا تطلب المساعدة، ولا تفصح عن مشاكلك. ما من أحد ليدعمك أو يمد لك يد العون. نتيجة لذلك، لا تتراكم المشاعر وراء الجدار فحسب، بل تنتابك وحدة قاتلة أيضاً. ومن دون أي مشاعر تحفزك، تلهمك، وتوجهك لتتخذ قرارات تعبّر عنك حقاً، من السهل أن تشعر في نهاية المطاف أنك تائه في عالم كبير مظلم. وقد تخال أن التواصل مع الآخرين وطلب المساعدة خطأ. وبما أنك تفتقر إلى الفرح والمشاركة في الحياة، تندفع إلى التساؤل: «ما جدوى الحياة؟».

خبر سار

سمح لي إدراك أصل المشاكل هذا بالتوصل إلى طريقة لاستهداف أسباب الكآبة، القلق، اضطرابات الشخصية، والأفكار الانتحارية. اكتشفتُ أنك تستطيع أن تهدم الجدار الذي يعوق مشاعرك لتبدأ بعد ذلك بالترحيب بمشاعرك، القديمة منها والجديدة. تتعلم أن تحدد مشاعرك، تصغي إليها، وتتعلم منها. وعلى غرار فرد من العائلة كان تائهاً وعاد، تبدأ بتطوير علاقة جديدة مع مشاعرك التي تغني حياتك وتوجهها.

وعلى غرار مرهم شافٍ على جذر شجرة ذابل، تستطيع أن تصلح نفسك من الداخل.

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *