بعد تخطّي أزمة منتصف العمر، يجد كثيرون أنفسهم يشيخون، ويتساءل البعض: «ما هو هدفي في الحياة الآن» بعدما كبر الأولاد وغادروا المنزل واقتربت من سنّ التقاعد؟ يؤثّر الجواب عن هذا السؤال كثيراً في الصحة.

خلال العقدين السابقين، أظهرت عشرات الدراسات أنّ احتمال الإصابة بداء الزهايمر وضعف الإدراك والإعاقات والنوبات القلبيّة أو السكتات الدماغيّة، يقلّ لدى المسنين الذين يحدّدون هدفاً لحياتهم، كذلك يرتفع أمد حياة هؤلاء مقارنةً بالذين يمضون عمرهم من دون دوافع.

تدعم مجلّة «جاما» لعلم النفس هذه الأدلّة، وتؤكد أنّ المسنين المتمسّكين بأهدافٍ في حياتهم يحافظون على قوّة قبضتهم وسرعة مشيتهم، وهذان مؤشران أساسيّان إلى السرعة التي يشيخ بها المرء.

باترك هيل أستاذ مساعد في قسم علم النفس وعلوم الدماغ في جامعة واشنطن في مدينة سانت لويس، يقول في هذا المجال: «لا يتفاعل المسنّ الذي يحمل أهدافاً كثيراً مع عوامل التوتّر من حوله، بل يركّز على النشاطات اليوميّة ويتمتّع بصحّة عقليّة وجسديّة سليمة».

ولكن ما هو الهدف؟ وكيف يُغذّى ويُطوّر؟

تطرح آنّ نيومان، 69 عاماً، هذه الأسئلة على نفسها «على مدار الساعة»، وهي تمضي وقتها بين شمال مدينة نيويورك وفلوريدا منذ أن أنهت تدريبها في علم النفس العام الماضي.

هدفها الرئيس في الحياة بناء مهنةٍ والحفاظ عليها، فبعدما ربّت نيومان ابنتيها، عاودت العمل في عمر 48. وتقول كمعالجةٍ: «أحبّ كثيراً مساعدة الآخرين ليجروا التغييرات اللازمة في حياتهم فيضعون أنفسهم في حالة مختلفة».

أصبحت الأمور صعبة حين انتقل جوزف، زوج نيومان، إلى فلوريدا وصارت تتنقّل بين الأخيرة ونيويورك. مع الوقت، أثّرت المسافات سلباً في زواجهما فقرّرت الانفصال. لذا بدأت تطبّق ما تعلّمته وتفكّر في الفصل التالي من حياتها.

أنشطة ممتعة

ينصح الخبراء من يبحث عن هدفٍ لحياته بتمضية المزيد من الوقت في ممارسة أنشطة تمتّعه أو في اكتساب مهارات جديدة. فنيومان على سبيل المثال تحبّ الرسم والتصوير، وها هي تبحث عن فرص عملٍ أو تطوّع في فلوريدا ولكن من دون جدوى. وتعترف عبر حديثٍ هاتفيّ معها: «لا أعرف ماذا سيحدث في حياتي المهنيّة وهذا الأمر يزعجني بشدّة، وكأنّني أتخبّط مع نفسي».

حسب ديليب جيسته، مساعد أوّل لعميد مركز الشيخوخة الصحّيّة ورعاية المسنّين في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، يمرّ كثيرون في مرحلة «التجربة والخطأ» بعد تقاعدهم ولا يجدون على الفور ما يبحثون عنه، «فهذا البحث لن يُثمر بين ليلةٍ وضحاها».

ويضيف: «لا يحبّ الناس التحدّث عن انزعاجهم لأنّهم يعتبرونه أمراً غير عاديٍّ. مع هذا، يفكّرون كلّهم بهذا السؤال الوجودي في هذه المرحلة من حياتهم: لماذا نحن هنا؟».

نيومان مثلاً راحت تبحث عن «الانخراط في أمر أكبر من إشباع الرغبة الشخصيّة، أمر أكبر من المستوى الفردي». ولكنّها تبالغ في هذا التفكير. وتبسّط الموضوعَ بتريشا بويل، باحثة بارزة في هذا المجال وأستاذة في العلوم السلوكيّة في مركز «راش» لمرض الزهايمر في مركز «راش» الطبّي الجامعي في شيكاغو: «أعتقد أنّ الهف في الحياة يأتي من أبسط الأمور، كالاعتناء بحيوانٍ أليفٍ أو العمل في الحديقة أو التعامل مع الجيران بلطفٍ مثلاً. لا داعي لتكون الأهداف كبيرة، فأصغرها يحفّز الشخص على متابعة حياته».

ويكتشف المسنون الإحساس بالهدف من خلال اعتنائهم بأحفادهم غالباً، أو تطوّعهم في جمعيّةٍ ما، أو انخراطهم بخدمة المجتمع أو الدين. وتكمل بويل حديثها: «يمكن للهدف أن ينشأ من خلال اكتساب مهارة، أو تحقيق هدف جديد، أو العمل إلى جانب أشخاصٍ آخرين، أو إجراء علاقاتٍ جديدةٍ بعد زوال القديمة».

دور مهم

يسلّط بحث تارا غرينوالد الضوءَ على أهمّيّة شعور المسنين بأنّهم يؤدّون دوراً مهمّاً في حياة الآخرين. وتشرح رئيسة قسم علم النفس في كلّيّة «كريان» للصحّة والعلوم السلوكيّة في جامعة تشابمان في كاليفورنيا، فكرتَها قائلة: «أعتقد أننا مع تقدّمنا في السنّ لا نفقد الرغبة في مساعدة الآخرين، بل نفتقد إلى فرصة قيامنا بهذا العمل». ووجدت في بحثها أنّ من يعتبر نفسه مفيداً للآخرين يتمتّع برفاهٍ أكثر ويكون أقلّ عرضةً للإعاقات أو الموت خلال فترة المتابعة التي دامت سبع سنواتٍ مقارنة بمن لا يرى نفسه بهذه الطريقة.

وتؤكّد غرينوالد: «في منتصف العمر نسهم جزئيّاً مع الآخرين لأنّ هذا الأمر يُطلب منّا في العمل والعلاقات الاجتماعيّة. ومع تقدّمنا في السنّ، نبحث عن فرص جديدة للمساهمة والمشاركة مع الآخرين».

يحاول بعض الباحثين إثارة الفوارق بين الإحساس بالهدف وبين إيجاد معنى للحياة؛ أمّا البعض الآخر فلا يرى فرقاً بينهما مثل بويل التي تقول: «عمليّاً أعتقد أنّ التداخل كبير جدّاً بينهما».

تقاعد بارّي ديم، 75 عاماً، منذ سنة بعد حياة مهنيّة طويلة كمستشار تنظيمي ومعالج عائلي وزواجي. والآن يقول: «لم أسأل نفسي: هل لدي هدف أكبر في حياتي؟ بل سألت نفسي: ما الذي يعطي معنى لحياتي؟».

لم تكن الإجابة عن هذا السؤال صعبةً، فبعض الأحداث حدّد خياراته في حياته. ويقول عبر اتّصالٍ هاتفيٍّ معه من منزله في قرية ليكسينغتون في ماساتشوستس: «تعطي مساعدة الآخرين معنى لحياتي. أحاول دائماً ترك انطباعٍ جيّدٍ عندهم. أريد العمل عن كثبٍ مع الناس ومساعدتهم في تحقيق تقدّم دائم في ما يفعلونه».

وفي تقاعده، يحقّق رغباته هذه من خلال توجيه ناس كوّن معهم علاقةً مهنيّةً وشخصيّةً. فيجمعهم ويتحدّث إليهم عن الشيخوخة. كذلك بدأ مدوّنته الخاصّة وكتب فيها أخيراً أنّه يشعر بحرّيّةٍ أكبر بعدما «اكتشفتُ من أنا، ومن أين جئت وما المعنى الذي تحمله الأمور من حولي في هذه المرحلة من حياتي».

وهنا تكمن المعضلة، فيقول ديم: «أشعر بازدواجيّةٍ حول الهدف في سنّ الشيخوخة. أحياناً، لا أريد القيام بأيّ عملٍ يجعلني شخصاً أفضل سوى أخذ قسطٍ من الراحة. وفي أحيانٍ أخرى، يراودني شعور قويّ يدفعني إلى القيام بما أفعله».

* جوديث غراهام

المسنون المتمسّكون بأهدافٍ في حياتهم يحافظون على قوّة قبضتهم

نسبة النوبات القلبيّة بين المسنين الذين يحدّدون هدفاً لحياتهم قليلة

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *