هل سبق أن تفوّهت بأمرٍ ندمت عليه لاحقاً؟ (كلّنا فعلنا ذلك). أو هل سبق أن ركّزت كثيراً على عقلك وفقدت «الاتّصال» بمشاعرك أو بمشاعر الآخرين؟ (ربّما). إذا انطبق عليك المثال الأوّل، فهذا يعني أنّك تمرّ في حالة «العقل العاطفي»، وهي تتميّز بالمشاعر والتفاعليّة والعفويّة وصعوبة الحفاظ على الموضوعيّة تجاه وضعٍ ما. أمّا إذا انتميت إلى المثال الثاني، فأنت تحت سيطرة «التفكير العقلاني» المتمثّل بالمنطق والصفات الفكريّة التي تستبعد العاطفة تماماً.

تشكّل حالتا «العقل العاطفي» و{التفكير العقلاني» جوانب في شخصيّتنا، لذلك يجب ألا نقضي على أيّة منهما. تنذرنا عواطفنا بحاجاتنا النفسيّة وتزيّن حياتنا بالألوان. فمن منّا يريد تفويت أفراح الحبّ والضحك وحتّى إطلاق دموعه ليرتاح؟ ومن نكون إذا لم ننبهر إزاء مغيب الشمس، أو لم نتعاطف مع الآخر؟

أمّا كوننا عقلانيّين فيسمح لنا باستخدام الحقائق والتجارب الماضية والبحوث لوضع تخطيطٍ فاعل. عندما نستخدم المنطق نبقى هادئين وسط موجةٍ من الاضطرابات النفسيّة ونوفّر تأثيراً ثابتاً في الآخرين.

مع ذلك، عندما نعيش في الدرجة الأولى حالة العقل العاطفي أو التفكير العقلاني، لا نستفيد من نقاط قوّتنا كافّة. ويُقال إنّنا لا نعمل بكامل طاقتنا، ما يزيد تراجع شعورنا بعدم الراحة إلى درجةٍ غير محدّدة، وقد يترجم ذلك بتدمير علاقةٍ مهمّة أو عدم انتباهنا إلى مشاعر الآخر وحاجاته (أو حتّى مشاعرنا وحاجاتنا).

أمّا الحلّ البديل فيكمن في الوصول إلى العقل الحكيم وتعزيزه. بحسب العلاج السلوكي الجدلي الذي طُوّر على يد مارشا لاينهان، يدمج العقل الحكيم كلاً من العقل العاطفي والتفكير العقلاني ويضيف إليهما المعرفة البديهيّة.

تشمل صفات العقل الحكيم:

• أن تشعر بلحظة الانتصار حين تعلم ما الصحيح بالنسبة إليك وما عليك فعله. إذا كان حدسك يوجّهك في طريقٍ فيه بعض الأوقات العصيبة، تعلم أنّ هذا مناسب لك.

• أن تكون في حالة شجاعة وإرادة وثقة وتتصرّف على هذا الأساس.

• أن تحترم مشاعرك وأسبابك وحدسك وتتّخذ قرارك استناداً إلى هذه العوامل الثلاثة، فالعقل الحكيم هو سيّد القرار.

• أن تستطيع اتخاذ قرارات جيّدة، وهذا يعني انتقاء أفضل خيار نظراً إلى الظروف المحيطة بك.

• أن تستطيع الابتعاد عن حالةٍ ما والنظر إلى الصورة الأكبر.

• أن تحافظ على التوازن النفسي، ما يُعرف أيضاً بالحلّ الوسط (على عكس التفكير «كلّ شيء أو لا شيء»).

• أن تصل إلى حكمتك الداخليّة وتستمع إليها.

• أن تتمتّع بثقةٍ كبيرةٍ في نفسك. هذا ليس غروراً بل معرفة عميقة لقيمك ونقاط قوّتك والمجالات التي تريد تطويرها في نفسك.

• أن تترك مشاعرك الخاصّة وآراءك ومعتقداتك وخياراتك لنفسك حين تكون محاطاً بالناس، على ألّا تتصرّف بعدوانيّة وتنطوي على ذاتك تجاه مداخلات الآخرين.

• أن تتحكّم بمشاعرك. ربما تحصل على فيضٍ من المشاعر ولكن حتّى حين يراودك شعور قوي، تمالك نفسك وتمتّع بالهدوء الداخلي الذي يذكّرك بأنّ ما تشعر به لا يحدّد من أنت ولا يملي عليك التصرّف بطريقةٍ مدمّرة أو طائشة.

• أن تتقبّل الوضع الراهن وتبذل قصارى جهدك لتتأقلم معه بشكلٍ فاعل، وتعترف بالوقت ذاته أنّك لا تتحكّم بالكامل بالنتائج.

ربما تعتقد أنّ الوصول إلى العقل الحكيم أمر بعيد المنال ولكن في الحقيقة نملك جميعنا القدرة على تحقيق ذلك حتى إن سيطرت عليك مشاعرك خلال سنواتٍ طويلة أو هيمنت عليك «الحقائق» إلى أقصى الحدود.

طرائق بسيطة للوصول إلى العقل الحكيم:

التأمّل الاستغراقي: أفضل طريقةٍ للوصول إلى العقل الحكيم أن تكون هادئاً بانتظام من الداخل والخارج. لذا جد لنفسك بقعة منعزلة لن يزعجك فيها أحد واجلس وظهرك مستقيم وقدماك على الأرض، ثمّ أغمض عينيك. ركّز على نفَسك وحاول القيام بما يلي:

• عند الشهيق فكّر «بالآن»، وعند الزفير فكّر «بهنا».

• عند الشهيق فكّر «بالحكمة»، وعند الزفير فكّر «بالعقل».

• عند الشهيق انتبه لنفَسك، وعند الزفير فكّر «بالواحد».

• عند الشهيق انتبه لنفَسك، وعند الزفير فكّر «بالسلام».

• انتبه إلى التوقّف بين الشهيق والزفير، وبين الزفير والشهيق.

• اسأل عقلك الحكيم في بداية جلسة التأمّل عن وضعٍ صعبٍ تمرّ به. وخلال الجلسة، ابق متيقّظاً للأجوبة المحتملة التي قد يوصلك إليها العقل الحكيم ولكن لا تجبره على إعطائك الحلول. وفي حال لم تتوصّل إلى جواب، فما من مشكلة. ابقَ حاضراً للاستماع إلى حكمتك الداخليّة.

• أمّا إذا خطرت أفكار ببالك (الأمر الذي سيحدث بما أنّنا كائنات مفكّرة)، فأطلق على كلٍّ منها اسماً في عقلك قائلاً لنفسك: «أفكّر في…».

• سواء جعلت التأمّل عادةً يوميّة أو وقفة من وقتٍ إلى آخر، فإنّ كلّ لحظة من ممارسته مهمّة.

• إذا كنت تعاني الأكل العاطفي، استبدل بـ{العقل النظيف» العقل الحكيم أو العاطفي. لا تتردّد في اختيار المصطلح الذي يناسب حالتك. وحين تمرّ في حالةٍ تمنعك من اتّخاذ خطوةٍ ما أو قول ما يلزم، توقّف واسأل نفسك: «هل هذا تصرّف العقل الحكيم؟». تمرّن على أخذ الوقت الضروري للاستماع إلى نفسك ثمّ قم بما يلزم، ما يمنعك أحياناً عن تصرّفاتٍ معيّنة.

• لا تقسُ على نفسك، فتطوير علاقتك بالعقل الحكيم أمر يتطلّب وقتاً وجهداً، لكنّك تراه يستحقّ العناء حين تبدأ تلاحظ قدرتك على العيش وفق حقائقك الجوهريّة وليس كضحيّة مشاعرك أو أفكارك التي تسيطر عليك.

* رايتشل فنتزي

العقل الحكيم يدمج كلاً من العقل العاطفي والتفكير العقلاني

المصدر الأصلي للمقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *