تحمل الفكاهة عموماً صفة إنقاذية. تكون بالفطرة غالباً وتتخذ أشكالاً مختلفة. كذلك يعكس التقدم في الحياة باستعمال حس الفكاهة أسلوباً راقياً وفاعلاً، ما يسمح بتسهيل العيش. الخبر المفرح أنه يمكننا اللجوء إلى الفكاهة في جميع الظروف، مع أن قلة من الناس تجرؤ على استعمالها تلقائياً.

يكثر الأشخاص الذين يفتقرون إلى حس الفكاهة. يمكن أن نستكشف وضعهم لمعرفة أسباب موقفهم، لكن ربما من الأفضل أن نركّز على الأشخاص المضحكين الذين نمضي معهم لحظات ممتعة!

تتعدّد أنواع الناس المرحين ولا يمكن المقارنة بينهم أحياناً. يكفي أن ننظر إلى أساليب أشهر الكوميديين لندرك اختلافهم. كذلك يفضّل كل شخص أسلوباً فكاهياً معيناً ويصعب عليه أن يتقبّل نمطاً لا يناسب شخصيته. ولا شيء أسوأ من الاضطرار إلى رؤية مشاهد تمثيلية لا تجعلنا نضحك لأسباب اجتماعية أو فكرية أو سياسية أو دينية… لذا لا تتعلّق الفكاهة التي نستطيع تقبّلها بشخصيتنا فحسب، بل تتأثر أيضاً بتربيتنا وبيئتنا الاجتماعية والثقافية.

لكن لا يعني تقدير حس الفكاهة الذي يتمتع به الآخرون أننا نحمل الميزة نفسها. لا تتعلق المسألة حصراً بقدرة البعض على سرد قصص مضحكة مقابل عجز البعض الآخر عن تذكّر قصص مماثلة، بل يجب أن يجيد الفرد التلاعب بالكلمات لابتكار لحظة ممتعة بنظر السامعين.

تتطلب الفكاهة قدرة على المزاح بشأن مواضيع حساسة بدرجة معينة أمام أشخاص مستعدين لتقبّل تلك الكلمات. يسهل أن نغيّر طابع الأحاديث لتخفيف التوتر في بعض المواقف أو لتبسيط موضوع حساس أو الاستمتاع بالوقت بكل بساطة. وقد يصعب أن نقاوم الكلمات المضحكة أحياناً.

فن صعب

استعمال الفكاهة عمل معقد جداً: لا تقتصر هذه العملية على إيجاد الكلمات المناسبة بل تتطلب أيضاً تحديد التوقيت الصحيح واختيار الأشخاص المستعدين لتقبّل هذا الأسلوب. يجب أن يعرف الشخص الفكاهي محيطه جيداً كي يتأكد من أن أسلوبه لن يسبب سوء تفاهم. مثلاً، لا بد من التفكير ملياً قبل استعمال حس الفكاهة مع أشخاص حساسين أو متعجرفين أو غيورين.

لا تتقبل المجتمعات كافة الفكاهة رغم زيادة الكوميديين المشاهير الذين يتطرقون إلى المسائل السياسية. لكن من الأفضل تجنب بعض المواضيع الحساسة مثل العرق والدين والموت والمرض… في المقابل، تحتلّ الفكاهة أهمية اجتماعية بارزة ويكشف غيابها عن حقيقة المجتمع المُجَرّد منها.

لكن يكون الضحك أو حتى الابتسام مستحيلاً في بعض الظروف، تحديداً خلال الحوادث المأساوية أو في فترة الحداد أو بعد وقوع الانفصال… هكذا لا يمكن أن نستعمل المواضيع كلها كمادة فكاهية وتكون الرقابة الذاتية ضرورية غالباً.

الفكاهة الإنقاذية

هل يمكن أن تنقذنا الفكاهة من المواقف الدراماتيكية؟ الأشخاص الذين يميلون إلى الإجابة بالنفي عن هذا السؤال واقعيون مع أن المزاح قد يضمن تبسيط الحاضر في حالات كثيرة. تعطي هذه المقاربة أثراً ملموساً: من خلال تبسيط الوضع، ستتراجع الضغوط ويمكن التفكير بالمشكلة بعيداً عن مشاعر الهلع وإيجاد الحلول الفاعلة. بهذه الطريقة، يمكن أن نحاور الآخرين ونطلب نصائحهم ونستعيد السيطرة على حياتنا.

سبق وأثبت الأطباء منافع التفاؤل والضحك ويتحدث علماء النفس عن إيجابيات إتقان الضحك على الذات والآخرين والحوادث… لكن لا يكون جميع الناس متساوين على مستوى التفاؤل أو الفكاهة. يتمتّع البعض بهذه النزعة فطرياً بينما يضطر البعض الآخر إلى تطوير هذا الجانب من شخصيته إذا أدرك حاجته إلى الفكاهة.

في علم النفس، ترتبط هذه القدرة بالصحة العقلية السليمة وتثبت مدى نضج الشخصية والثقة بالنفس. يتحرك البعض أيضاً لجذب الآخرين وتسليتهم وإثارة اهتمامهم.

يمكن التعامل مع جميع المواقف، حتى الدراماتيكية منها، بطرائق مختلفة. وينجم الأسلوب الفكاهي عن خيار متعمّد وغير عفوي على عكس الضحك الذي ينمّ أحياناً عن رد فعل تلقائي. مثلاً، قد يصاب البعض بنوبة ضحك عصبية خلال مأتم! لا يرتبط هذا التصرف بالفكاهة بل يهدف إلى تفريغ الضغوط.

فكاهة تجاه الذات

يستعمل الأفراد الذين يتمتعون بحس الفكاهة هذه الميزة مع نفسهم. حين يسخرون من بعض صفاتهم أو تصرفاتهم ولا يأخذون كل شيء على محمل الجد، سيعكسون مدى تصالحهم مع نفسهم وسيتشجعون على المضي قدماً وإحراز تطور ثقافي أو فكري.

انطلاقاً من هذه الصلابة، يمكن إنشاء روابط أخرى مع أفراد يطورون شخصيتهم بالطريقة نفسها. ومن المؤكد أن الضحك على مسائل مشتركة سيكون أمراً ممتعاً وسط الأصدقاء وأفراد العائلة أو مع الحبيب.

فوائد الفكاهة

يكون استعمال الفكاهة ميزة مهمّة في مجالات عدة:

البيئة المهنية:

• تشكّل الفكاهة جزءاً من تقنيات الكلام ويمكن أن يستفيد منها الأساتذة أو المحاضرون لجذب انتباه السامعين.

• يدرك خبراء اللغة أيضاً ضرورة فهم الفكاهة الكامنة في اللغات للتعمّق في ثقافة البلدان.

• في مجال آخر، تحاول الممرضات اللواتي يعملن مع الأولاد المزاح عند تقديم العلاج لهم. إنه أسلوب محبّذ مع المرضى الراشدين أيضاً.

• في ما يخص العلاقة بين الزملاء، تسمح الفكاهة بتصحيح أي سلوك شائب من دون إحراج الشخص أو صدّه.

• يستطيع رب العمل الذي يجيد استعمال الفكاهة تخفيف قلق موظفيه وزيادة متعة العمل.

• الحياة الخاصة:

• تسهّل الفكاهة في الحياة الزوجية مسار العلاقة وتسمح باسترجاع الضحكة بعد الخلافات.

• الفكاهة أسلوب ناجح لجذب الرجل أو المرأة.

• تسمح الفكاهة بتفضيل أصدقاء على غيرهم والتعبير عن الآراء الشخصية أو عن الاستياء بطريقة مقبولة اجتماعياً.

• عموماً، تساهم الفكاهة في رؤية الحوادث من منظور جديد وتخفيف صرامة الأشخاص المعروفين بجدّيتهم.

لا تعني الفكاهة السخرية أو العدائية، بل تهدف إلى إعادة التوازن للوضع، وتؤدي البيئة المحيطة والظروف دوراً مؤثراً في هذا المجال.

سنستفيد حتماً من إحاطة نفسنا بأشخاص فكاهيين، أو يمكن أن نطوّر حس الفكاهة شخصياً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *